سهيلة عبد الباعث الترجمان

315

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الكثرة من صور متعددة بفعل التجلي الإلهي ، إذ لا بد من تقرير الوحدة للذات الإلهية لأن التكثر غير قائم فيها فعلا ، وإنما هو ناتج عن تجلي الأسماء فالكثرة إذن إنما تقع في صور الأسماء الإلهية الكثيرة . ويقارن ابن عربي بين ما يقول به أهل الطريق في الصفات وما يقول به المعتزلة ، ذلك أن من لم يقدر على تقرير الوحدة في الكثرة جعل هذه الصفات نسبا وإضافات لوجوه مختلفة وهو مذهب النّظام . أما الطائفة ويعني أهل الطريق من الصوفية فقد أقرّت بالهويّة والوحدة ، وجعلت الوجه الذي هو منه أول هو عينه منك آخر ، وظاهر وباطن كما صرّح بذلك أبو سعيد الخراز ، وبهذا يتفرد الصوفية فقط بالقول بالوحدة في الكثرة ، وعرفت الواحد بجمعه بين الأضداد جميعها ، وهو ما لم يتوفر للمعتزلة وغيرهم من الفرق . يقول في أهل الطريق : " بأن رجال اللّه ما أثبتوا للحق إلا ما هم عليه ، ولا يثبت في الكون ولا في جميع المخلوقات إلا ما هو الحق عليه ، فارتبط الكل في الكل ، وضرب الواحد بالواحد فلم يتضاعف ، بل هو عين ما ضرب ، وبهذا أقرّوا الوحدة " « 1 » . وعليه ، فإن العالم له صورة الوحدة والكثرة ، فهو واحد بالجوهر وهو العين الواحدة ، وكثير بالصور وهي صور الأسماء الكثيرة التي تعود إلى العين الواحدة . فالعالم إذن محصور بين هاتين الصورتين إذ أنه ليس ببعيد عن الحق فله اتصال به ، كما أن له انفصال عنه وهو عدم التكثر في العين لأن التكثر ليس أصلا إنما هو حكما . فالتكثر ينشأ عن الأحكام ، وليست هذه سوى نسبا وإضافات ، فتصبح والحالة هذه أن الوحدة للعالم من حيث العين ، والكثرة من حيث أحكامه ونسبه فقط « 2 » . ولذلك حصر إدراك هذا الأمر في أهل التحقيق ممن تكشف لهم الحقيقة بفضل علومهم اللّدنيّة ومن ثمّ نجده يقول : " وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد ، كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية وإن اختلفت حقائقها وكثرت ، أنها عين واحدة . فهذه كثرة معقولة في واحد العين ، فتكون في التجلي كثرة مشهودة في عين واحدة " « 3 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 426 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 426 . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص . ص 104 - 105 .